سلسلة رجـــال خدموا الإســــلام 11
سلسلة رجـــال خدموا الإســــلام
شيخ الإسلام البرماوي
بقلم: د. عبد العزيز محمد عزام (أستاذ الفقه والشريعة بجامعة الأزهر)
يعتبر شيخ الاسلام برهان الدين ابراهيم بن محمد بن شهاب الدين خالد البرماوي من أعلام الازهر العاملين وعمدة المحققين الكبار ومن جهابذة المجتهدين الذين منحهم الله علما غزيرا وفضلا كبيرا. تلقي علومه الشرعية في الازهر الشريف وتفقه علي مذهب الامام الشافعي رضي الله عنه وارضاه وبلغ فيه مبلغا عظيما يبني رأيه علي علم واسع بأصول علوم الشريعة وفروعها وكان فقيها ورعا يستنبط الاحكام من الادلة ملتزما بقواعد المذهب الشافعي يدور في فلكه ولا يخرج عنه.
تولي مشيخة الازهر سنة1101 هـ-1690 م وظل شيخا الي أن انتقل الي جوار ربه ورحمة مولاه سنة1106 هـ-1694م. وترك للاجيال المتعاقبة من العلماء والدارسين ثروة علمية في فروع العلم المختلفة في الفقه والحديث, فله حاشية علي منظومة في مصطلح الحديث وحاشية علي الرحبية في المواريث وحاشية علي شرح الشيخ ابراهيم الباجوري علي شرح العلامة ابن قاسم الغزي علي متن الشيخ ابي شجاع في مذهب الامام الشافعي. وهي من أهم ما خلفه الشيخ البرماوي من تراث فقهي عظيم له قدره ووزنه في عصره.
وقد ذكر الشيخ البرماوي السبب الذي من أجله وضع هذه الحاشية علي الشرح المذكور بقوله: ان ولده احمد كان قد اولع بمطالعة شرح الغاية والتقريب للعلامة ابن القاسم فسأل احمد والده الشيخ البرماوي ان يضع حاشية لطيفة علي هذا الشرح ينتفع بها هو وغيره من طلاب العلم المبتدئين فقام الشيخ البرماوي بالتعليق علي شرح ابن قاسم من اول الفقه الي نهايته وهذه التعليقات في غاية الحسن والوضوح والدقة المتناهية وهذا يدل علي مكانة الشيخ البرماوي العلمية ومدي تمكنه من فهم المسائل الفقيهة الفقهية.
ومما ينبغي التنبيه اليه ان وضع الحواشي والتقارير العلمية والتعليق علي الشروح كان السمة البارزة في هذا العصر الذي ساد فيه التقليد المطلق واغلق فيه باب الاجتهاد مع أن الحاجة الي الاجتهاد دائمة واحوال المجتمع تتغير وتتطور وشريعة الاسلام صالحة لكل زمان ومكان. ولابد من اعمال الذهن في الحوادث والوقائع وكل ذلك يقضي بأن يبذل العالم جهده ويستفرغ وسعه في استنباط الحكم من الدليل وحتي لا تخلو الارض من قائم لله بحجة ويخلو العصر من مجتهد واذا وقع ذلك وتعطل الاجتهاد فالمسلمون جميعا آثمون.
ثم ان حدوث فترات جمود وتأخر في الفكر الإسلامي لا يعني سد باب الاجتهاد أو انقطاعه فمتي وجدت القدرات والامكانات وجب الاجتهاد والاستنباط.
فكان العصر الذي عاش فيه الشيخ البرماوي هو العصر الذي ساد فيه التقليد المطلق وجمد فيه الفقه وعمل العلماء في هذا العصر هو اختصار الكتب المؤلفة قبلهم وقد ولعوا بذلك ولعا كبيرا ولم يكن الاختصار بدعة من بدع هذا الدور الخامس وحده بل كان موجودا في الدور الرابع ايضا. فكان تلاميذ الائمة يختصرون كلام الائمة ويرتبون ما املاه الائمة ويحذفون مالا تدعو الحاجة اليه من المسائل وظل هذا الاختصار هو دأب العلماء واستمروا منذ منتصف القرن السابع الهجري الي اوائل القرن الثامن عشر.
وفي ظل هذه المرحلة اتجه العلماء الي الاختصار بطريقة عجيبة وغريبة وهي أنهم اجتهدوا في جمع الكثير من المعاني في القليل من الالفاظ حتي تحول الكلام في الفقه الي ما يشبه الالغاز وصارت كل كلمة او جملة تشير الي بحث واسع او مسألة طويلة. ومن ثم اصبحت الكتب الفقهيه تحتاج في تفهمها الي وقت طويل وجهد كبير وقد تطلب ذلك وضع الحواشي والتقارير العلمية علي الشروح لتفسير غوامض الكتب المختصرة والكشف عن معمياتها بل اكثر من ذلك جنحوا الي شرح تلك الحواشي بالتعليق عليها فكان هناك تراث فقهي له الوان ثلاثة: المتون وهي الكتب المختصرة والشروح وهي الكتب التي تشرح المختصرات وشارحة الشروح وهي المسماة بالحواشي والتعليق علي شرح الشروح التقريرات او التعليقات علي الحواشي ونتيجة لهذا العمل فقد ظفر الفقه الاسلامي بتراث جيد غزير يعجز عن عده العادون ولكن الاشتغال بهذه الحواشي والتقريرات علي الشروح وان كان قد اسهم اسهامات كثيرة في حل الالفاظ وفك الغازها فهو قد ابتعد عن جوهر العلم لأنه وقف عند النظر في اساليب الكلام ومحاولة حل تراكبيها ومعمياتها وهذا اضر بالفقه ضررا بالغا اذ جعل كل هم رجاله هو تفهم الكتب وحل عباراتها وتركوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وهما المصدران الاساسيان لمعرفة الاحكام الشرعية واستنباطها من المصادر الاصلية ظنا منهم انهم لم يبلغوا مبلغ المجتهدين من فيهم ان الفضل قد ذهب به من سبقهم فلم يبق لهم منه نصيب وكان لذلك اثره السلبي علي الحركة العلمية والنشاط الفكري وضاع بسبب ذلك الاستقلال العلمي.
|